المنهج و التنمية المستدامة

مقدمة

تعد القضايا البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه دول العالم بأسره من أقوى التحديات التي واجهت الانسان على مر العصور، والتي نتجت عن التفاعل غير الرشيد من جهة الإنسان نحو البيئة المحيطة به والموارد المتاحة بها، الأمر الذي يتطلب إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وبيئته وزيادة وعيه بطبيعة هذه العلاقة، وقد ارتبط ذلك بمفهوم التنمية المستدامة، حيث ظهر مفهوم التنمية المستدامة بشكل رسمي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وورد استخدام هذا المفهوم أول مرة في تقرير لجنة الأمم المتحدة للتنمية البيئية المعروف بتقرير “برونتلاند” الصادر عام (1987م)، وقد عرف هذا التقرير التنمية المستدامة على أنها “تلبية احتياجات الأجيال الحالية دون الإخلال بقدرة الأجيال المستقبلية على تلبية الاحتياجات الخاصة بهم” (الخطيب، 2018).

ونظراً لأهمية التنمية المستدامة، فقد أعلنت هيئة الأمم المتحدة أن بداية عام (2005م) هو بداية عقد التعليم من أجل تنمية مستدامة، وهذا يفرض إدراك التعليم كعنصر أساس لتحقيق هذه التنمية (Nolan, 2012). وبذلك ظهر مدخل التعليم من أجل التنمية المستدامة وهو تعليم مدى الحياة يعد مواطنين يتحملون مسؤوليتهم ويقومون بواجباتهم نحو مجتمعهم من خلال اكتساب ما يلزمهم من معارف ومهارات وتقنيات وقيم.

والمناهج تعد من أقوى أدوات التعليم في تحقيق آمال الشعوب وتطلعاتها، وما من أمة سعت إلى التقدم والتطور والنماء والسبق في أي مجال من المجالات إلا وعكفت على مراجعة وتطوير مناهجها، لمواكبة التغيرات المتسارعة، ولمواجهة المشكلات البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية، الناتجة عن تلك التغيرات والتي تهدد البشرية والتي تستلزم إعادة النظر في المناهج الحالية وتطويرها لمواكبة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والعالمية، وإعداد الفرد لحياة الحاضر والمستقبل وتحقيق أهداف التنمية المستدامة (حجازي، 2017).  وفي هذا الصدد فقد أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (2013م) على ضرورة إعادة بناء المناهج الدراسية بحيث تدعم أفكار التنمية المستدامة، وفق منهجية نظامية تقوم على أهداف الاستدامة المحلية أو الوطنية، ورؤية المملكة 2030 تنسجم في مجملها مع أهداف التنمية المستدامة.

ولقد دعت كثير من المؤتمرات إلى تضمين مفاهيم وأبعاد التنمية المستدامة في جوانب التعليم والتعلم والمناهج، منها: المؤتمر العالمي للتعليم من أجل التنمية المستدامة عام (2009م) والذي عقد في بون بالتعاون مع حكومة ألمانيا (اليونسكو، 2009م)، والمؤتمر العالمي للتعليم من أجل التنمية المستدامة عام (2014م) بالتعاون مع حكومة اليابان والذي عقد في آيشي-ناغويا (اليونسكو، 2014م).

عناصر التعليم من أجل التنمية المستدامة

حددت منظمة اليونسكو (2010, p24-27) العناصر المتكاملة للتعليم من أجل التنمية المستدامة في المناهج الدراسية كما يلي:

1.المعارف: وتشمل المعارف الأساسية للعلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية اللازمة لفهم:

  • مبادئ التنمية المستدامة.
  • كيف يمكن تنفيذ هذه المبادئ.
  • القيم التي تتضمنها هذه المبادئ.

2.المهارات: وتشمل المهارات العملية التي تمكن المتعلمين من فهم التنمية المستدامة مثل

  • التعلم مدى الحياة.
  • اتباع أساليب العيش المستدام.
  • التمتع بحياة مستدامة.

3.القيم والاتجاهات: وتشمل القيم والاتجاهات المهمة لفهم القضايا العالمية والمحلية المرتبطة بالاستدامة.

مفاهيم التنمية المستدامة التي ينبغي تضمينها في المناهج

حددت برامج ومشروعات التنمية المستدامة، مفاهيم التنمية المستدامة التي ينبغي تضمينها في المقررات الدراسية، ومن أهمها مشروع تربية الاستدامة (sustainable development, 2001)، ومشروع المنهج القومي في إنجلترا ( The National Curriculum of UK, 2002) وكانت أبرز مفاهيم التنمية المستدامة التي حددتها تلك المشاريع كما أوردها القميزي (٢٠١٥م، ص ١٩)كالتالي:

  • الاعتمادية: التفاعل والترابط بين عناصر البيئة الطبيعية والبشرية والاقتصادية والبيئية، وأن كل عنصر مرتبط بالعنصر الآخر، وكذلك الترابط بين المجتمعات الإنسانية والبيئية على المستوى المحلي والعالمي.
  • حاجات وحقوق الأجيال القادمة: العدل في المساواة بين الأجيال الحالية والقادمة من حيث الاستهلاك والإنتاج، بحيث لا ينعم جيل على حساب الجيل الآخر.
  • التنوع: الحفاظ على أشكال التنوع في الموارد البيئية الطبيعية من أجل استدامة الأجيال القادمة في الاستفادة من هذه الموارد.
  • المواطنة: وتعني تنمية روح المسؤولية للطلاب، والعمل مع الآخرين لتشجيع المواقف واحترام الاستدامة، والربط بين القيم والمعتقدات الشخصية والسلوك ومسؤولية اتخاذ قرار يؤدي للاستدامة.
  • نوعية الحياة: وهي محاولة للوصول لمعيار الحياة المثالية.
  • المساواة والعدالة: ويعني تقدير أهمية العدالة والمساواة لرفع مستوى حياة الأفراد من جميع الجوانب واستدامة المجتمع.
  • الحماية: وتعني حماية البيئة مما يهددها من أخطار بشرية أو طبيعية.
  • التقنين: ويعني التعامل بحكمة وعدم الإفراط في التعامل مع الموارد الطبيعية.
  • المعيارية: وهو الحد الأقصى لقدرة البيئة على تحمل معايير معينة من التلوث بما لا تنعكس آثاره على الأجيال المعاصرة والقادمة.
  • الصيانة: وتتمثل في المحافظة على الثروات والموارد الطبيعية وصيانتها.
  • الوقاية: ويقصد بها تجنب الأنشطة والممارسات التي تمثل تهديداً للبيئة وصحة الإنسان.
  • المسؤولية المشتركة: يحتاج تحقيق التنمية المستدامة إلى شعور الأفراد (الطلاب) بمسؤوليتهم تجاه الحد من ضغوط التنمية على البيئة والموارد الطبيعية والمجتمع.
  • التمكين: وهو إعطاء أفراد المجتمع إمكانية المشاركة الفعالة في صنع القرارات أو التأثير عليها.
  • الشمولية: ويعبر عن ضرورة تأمين التفاعل بين المكونات المختلفة للتنمية المستدامة، إذ لا يمكن التطرق إلى مكون واحد من دون التطرق إلى المكونات الأخرى ذات الصلة.

مكونات المنهج ودورها في تحقيق التنمية المستدامة

عند الحديث دور المناهج الدراسية في تحقيق التنمية المستدامة فلا بد من تناول جميع عناصر المنهج من أهداف ومحتوى وأساليب تدريس وتقويم بالإضافة للتنمية المهنية للمعلم، وذلك حسب ما أورده كل من شهدة (٢٠١٧م، ص ١٣٠-١٣٣) فيما يلي:

1) الأهداف

يمكن تحديد الأهداف العامة للمناهج الدراسية من أجل تحقيق التنمية المستدامة في الآتي:

  • تزويد المتعلمين بالمعلومات المرتبطة بمفهوم التنمية المستدامة وأهدافها وأهميتها ومتطلبات تحقيقها ومبادئها.
  • تزويد المتعلمين بالمعلومات المهمة عن السلوكيات البشرية التي تعمل على تحقيق التنمية المستدامة مثل الحد من الاستهلاك بكافة صوره في المأكل، واستخدام المياه، واستهلاك الطاقة، واستخدام المبيدات والأدوية… إلخ، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة وتدريبهم عليها كلما أمكن.

–  التعريف بأدوار الأفراد والأسر والمجتمع وغيرهم في تحقيق التنمية المستدامة

تنمية مهارات التفكير بصفة عامة ومهارات اتخاذ القرار والمهارات الحياتية والاجتماعية وغير ذلك من المهارات، والتي تسهم في تعديل سلوكيات المتعلمين من أجل التنمية المستدامة.

– تنمية الاتجاهات والقيم والسلوكيات وأساليب الحياة التي تساند التنمية المستدامة، والتي تشجع أنماط استهلاكية ضمن حدود الإمكانات البيئية بشكل مناسب.

– تزويد المتعلمين بالمعارف والمهارات التي تعمل على إكسابهم أنماط الاستهلاك المستدامة.

– تعريف المتعلمين بالموارد الطبيعية والزراعية والصناعية وموارد الطاقة وكيفية الحفاظ عليها

نموا اقتصاديا يعمل على تلبية الحاجات الأساسية المطلوبة.

– تزويد المتعلمين بمهارات تمكنهم من مواصلة التعلم بعد ترك المدرسة والبحث عن سبل العيش المستدام.

– تنمية الاتجاهات الإيجابية نحو الأرض والحفاظ عليها لأنفسهم والأجيال من بعدهم.

-تعزيز مبدأ المساواة في التعاملات بين الأفراد، بغض النظر عن اللون والدين والجنس ومستوى المعيشة.

2) محتوى المنهج

لتضمين مفاهيم وأهداف ومبادئ التنمية المستدامة في محتوى المنهج توجد ثلاثة مداخل لإعدادها وهي:

أ- المدخل المستقل: يعني إعداد منهج خاص بالتنمية المستدامة، إلا أنه من الملاحظ أن المناهج الدراسية لا تحتمل وجود مناهج تضاف إلى المناهج الموجودة، وهذا يزيد من الأعباء على المتعلمين.

ب – المدخل التكاملي: والمقصود به دمج مفاهيم التنمية المستدامة في الموضوعات الدراسية الفعلية خاصة الموضوعات المرتبطة بالبيئة ومواردها والحفاظ عليها، وكذلك المواد المرتبطة بالصناعات المختلفة.

ج- المدخل الثالث: وهو يهتم بتحديد عدد من الوحدات الدراسية المستقلة والتي تهتم ببيان مفهوم التنمية المستدامة وأهميتها وأهدافها ومتطلباتها والموارد العامة المرتبطة بها، إضافة إلى دمج المفاهيم الخاصة بها في الوحدات الدراسية الأخرى، مع التركيز على استخدام أساليب تدريس تسهم في تحقيق الأهداف.

3) استراتيجيات وأساليب التدريس

يجب على المعلم أن يستخدم استراتيجيات وأساليب تعليم غير تقليدية، تعمل على تلبية احتياجات التلاميذ التعليمية، وتهتم في نفس الوقت بإبراز سلوكيات الأفراد، التي تسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وتعمل على تكوين اتجاهات وقيم ، وتشجع أنماط سلوكية واستهلاكية في حدود إمكانيات البيئة، كما أن أساليب التدريس المستخدمة، يجب أن تنمي مهارات التفكير المتعددة ومهارات اتخاذ القرار، والمهارات الحياتية، وغير ذلك من الأهداف المرغوبة والمرتبطة بالتنمية المستدامة، ومن أهم هذه الأساليب والطرائق التدريسية، المناقشة، وحل المشكلات وتحليلها، والتعلم التعاوني والدراسات الميدانية، الاكتشاف، والمشاريع…، حيث يتم استخدامها بما يتفق مع طبيعة الدرس وخصائص المتعلمين.

4) أساليب التقويم

من الضروري أن يتضمن التقويم البنائي والنهائي قضايا ومشكلات بيئية، ويطلب من المتعلم التفكير والمشاركة برأيه في مواجهة هذه القضايا، وألا يقصر التقويم على مجرد التعرف على ما لدى المتعلم من معلومات وعلى الحفظ والاستظهار.

دعائم التنمية المستدامة الواجب تعزيزها لدى المتعلم

التنمية المستدامة هي مفتاح البقاء الآمن في مجتمع القرن الواحد والعشرين، وتربية تمتد طوال الحياة في أوقات وأماكن متعددة خارج حدود المدرسة النظامية، وبذلك يصبح المعلم مطالبا بمراعاة أربعة دعائم رئيسة ينبغي تحقيقها وتعزيزها لدى المتعلم والتي تتمثل فيما يلي كما أشار إليها عبد العظيم وعبدالفتاح (2017م، ص176):

  1. التعلم للمعرفة: وهو التعلم الذي لا يستهدف المعرفة المدونة، وإنما التعلم المؤدي إلى إتقان أدوات المعرفة ذاتها، فالتعلم هنا وسيلة لتمكين المتعلم من أن يتعلم كيف يفهم العالم المحيط به، مع تنمية قدراته المهنية، ومهارات الاتصال لديه.
  2. التعلم للعمل: وهو ذلك التعلم الذي يعتمد على الانتقال بمفهوم المهارة بمعناها الدقيق القائم على التدريب المهني والتقني، إلى ذلك السلوك الاجتماعي المتمثل في القدرة على اتخاذ روح المبادرة، وروح المغامرة، والقدرة على الاتصال، وعلى العمل مع الآخرين، وحل النزاعات.
  3. التعلم للتعايش مع الآخرين: من خلال تنمية المعرفة بالآخرين وبثقافاتهم، بما يسمح بقبول النقد والرأي الآخر، والابتعاد عن المعاني السلبية للمنافسة الفردية للمتعلم، والاتجاه نحو التعاون وإقامة الصلات والمشروعات المشتركة مع الزملاء في أي مكان.
  4. التعلم لتحقيق الذات: جميع الطلاب لديهم القدرة على التعلم والاتقان، إذا ما أتيحت لهم الفرصة لإظهار استعداداتهم ومهاراتهم وإثبات ذواتهم، مما يؤدي إلى مستوى تحصيل مرتفع وملحوظ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *